مرتضى الزبيدي
292
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين
قال ذلك لأن هذا القول منه يدل على أنه مزدر بخلق اللّه مغتر باللّه آمن من مكره غير خائف من سطوته ، وكيف لا يخاف ؟ ويكفيه شرا احتقاره لغيره . قال صلّى اللّه عليه وسلم : « كفى بالمرء شرا أن يحقر أخاه المسلم » ، وكم من الفرق بينه وبين من يحبه للّه ويعظمه لعبادته ويستعظمه ويرجو له ما لا يرجوه لنفسه ، فالخلق يدركون النجاة بتعظيمهم إياه للّه ، فهم يتقربون إلى اللّه تعالى بالدنو منه وهو يتمقت إلى اللّه بالتنزه والتباعد منهم ، كأنه مترفع عن مجالستهم ، فما أجدرهم إذا أحبوه لصلاحه أن ينقلهم اللّه إلى درجته في العمل ! وما أجدره إذا ازدراهم بعينه أن ينقله اللّه إلى حد الإهمال ! كما روي أن رجلا في بني إسرائيل كان يقال له : خليع بني إسرائيل - لكثرة فساده - ومر برجل آخر يقال له عابد بني إسرائيل ، وكان على رأس العابد غمامة تظله فلما مر الخليع به فقال الخليع في نفسه : أنا خليع بني إسرائيل هذا عابد بني إسرائيل فلو جلست إليه لعل اللّه يرحمني ! فجلس إليه فقال العابد : أنا عابد بني إسرائيل وهذا خليع بني إسرائيل فكيف يجلس إلي ؟ فأنف منه وقال له : قم عني ! فأوحى اللّه إلى نبي ذلك الزمان : مر هما فليستأنفا العمل فقد